صديق الحسيني القنوجي البخاري

110

فتح البيان في مقاصد القرآن

ابن عباس مرفوعا نحوه بأطول منه . أخرجه ابن مردويه ، قال السيوطي وإسناده واه . وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً أي مبصرا فيها قال الكسائي وغيره هو من قول العرب : أبصر النهار إذا صار بحالة يبصر بها ، وأشار بهذا إلى أن في الكلام مجازا عقليا لأن النهار لا يبصر ، بل يبصر فيه فهو من إسناد الحديث إلى زمانه ، وقيل مبصرة للناس من قولهم أبصره فبصر . فالأول وصف لها بحال أهلها ؛ والثاني وصف لها بحال نفسها وإضافة آية إلى النهار بيانية ، أي فمحونا الآية التي هي النهار مبصرة ، كقولهم نفس الشيء وذاته . وقيل آية النهار الشمس ، كما أن آية الليل القمر ، فمعنى وجعلنا آية النهار مبصرة ، أي جعلنا شمس النهار مضيئة تبصر بها الأشياء رؤية بينة . لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ أي لتتوصلوا ببياض النهار إلى التصرف في وجوه المعاش ، والمعنى جعلناها لتبتغوا وتطلبوا فضلا أي رزقا ، إذ غالب تحصيل الأرزاق وقضاء الحوائج يكون بالنهار ، ولم يذكر هنا السكون في الليل اكتفاء بما قاله في موضع آخر : هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً [ يونس : 67 ] . ثم ذكر مصلحة أخرى في ذلك الجعل فقال : وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ وهذا متعلق بالفعلين جميعا ، أعني محونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتعلموا الخ لا بأحدهما فقط كالأول ، إذ لا يكون علم عدد السنين والحساب إلا باختلاف الجديدين ومعرفة الأيام والشهور والسنين ، والفرق بين العدد والحساب أن العدد إحصاء ما له كمية بتكرير أمثاله من غير أن يتحصل منه شيء ، والحساب إحصاء ما له كمية بتكرير أمثاله من حيث يتحصل بطائفة معينة منها حدّ معين منه له اسم خاص . فالسنة مثلا إن وقع النظر إليها من حيث عدد أيامها فذلك هو العدد ، وإن وقع النظر إليها من حيث تحققها وتحصلها من عدة أشهر قد تحصل كل شهر من عدة أيام قد تحصل كل يوم من عدة ساعات قد تحصلت كل ساعة من عدة دقائق فذلك هو الحساب . ولو كانا مثلين لما عرف الليل من النهار ولا استراح حراص المكتسبين والتجار ولتعطلت الأمور ولم يدر الصائم متى يفطر ولم يعرف وقت الحج والصوم والصلاة ولا وقت الزراعة ولا وقت حلول الديون المؤجلة وقال الكرخي لا تكرار إذ العدد موضوع الحساب . وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا أي كل ما تفتقرون إليه في أمر دينكم ودنياكم بيناه تبيينا واضحا لا يلتبس فهو كقوله ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ [ الأنعام : 38 ] وقوله وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ [ النحل : 89 ] وإنما ذكر المصدر وهو قوله تَفْصِيلًا لأجل تأكيد الكلام وتقريره فكأنه قال فصلناه حقا على الوجه الذي لا مزيد عليه وعند ذلك تنزاح العلل وتزول الإعذار ليهلك من هلك عن بينة ولهذا قال :